فخر الدين الرازي
94
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يقولون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ، فقوله : غَيْرَ مُسْمَعٍ معناه : غير سامع ، فان السامع مسمع ، والمسمع سامع . الثاني : غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا . الثالث : اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، ومتى كان كذلك فان الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم . النوع الرابع : من ضلالاتهم قولهم : وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ أما تفسير راعِنا فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه : الأول : أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية ، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . الثاني : / قوله : راعِنا معناه أرعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وانصت لحديثنا وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام ، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم . الثالث : كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم . الرابع : أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم : راعِنا راعينا ، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا ، وقوله : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ قال الواحدي : أصل « ليا » لويا ، لأنه من لويت ، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون ، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الفراء كانوا يقولون : راعنا ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم : غَيْرَ مُسْمَعٍ وأرادوا به لا سمعت ، فهذا هو اللي . الثاني : أنهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق . الثالث : لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عن ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية ، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال ، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم : إنما نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهر اللَّه تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته ، لأن الاخبار عن الغيب معجز . فان قيل : كيف جاءوا بالقول المحتمل للوجهين بعد ما حرفوا ، وقالوا سمعنا وعصينا ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال : إنهم ما كانوا يظهرون قولهم : وَعَصَيْنا بل كانوا يقولونه في أنفسهم . والثاني : هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب والشتم . ثم قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم : سمعنا وعصينا ، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قولهم واسمع ، وبدل قولهم : راعِنا قولهم : انْظُرْنا أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند اللَّه وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال : رمح قويم أي مستقيم ، وقومت الشيء من عوج فتقوم . ثم قال : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم . ثم قال : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وفيه قولان : أحدهما : أن القليل صفة للقوم ، والمعنى فلا يؤمن منهم